فصل: أقسام التّزكية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


تزاحم

التّعريف

1 - التّزاحم في اللّغة مصدر تزاحم، يقال‏:‏ تزاحم القوم‏:‏ إذا زحم بعضهم بعضاً، أي تضايقوا في المجلس، أو تدافعوا في المكان الضّيّق‏.‏

والاصطلاح الشّرعيّ لا يختلف عن هذا‏.‏

الحكم التّكليفي

2 - تحرم المزاحمة إن ترتّب عليها أذًى لأحد، كمزاحمة الأقوياء للضّعفاء عند استلام الحجر الأسود، أو ترتّب عليها أمر محظور شرعاً، كمزاحمة المرأة للرّجال في الطّواف وعند استلام الحجر الأسود وغيره من الأماكن العامّة‏.‏ وقد ورد التّزاحم في أمور منها‏:‏

أوّلاً‏:‏ زحم المأموم

3 - إذا زحم المأموم وتعذّر عليه السّجود على الأرض متابعةً للإمام، وقدر على السّجود على ظهر إنسان أو دابّة، فهل يلزمه السّجود على ذلك ‏؟‏ اختلف فيه الأئمّة‏.‏

فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى‏:‏ أنّه يلزمه أن يسجد على ما يمكنه السّجود عليه، وإن كان على ظهر إنسان أو قدمه، لتمكّنه من المتابعة، ولخبر «إذا اشتدّ الزّحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه» فإن لم يسجد فمتخلّف عن المتابعة بغير عذر عند الأئمّة المذكورين‏.‏ وعند المالكيّة‏:‏ لا يجوز السّجود على ظهر الإنسان، فإن سجد أعاد الصّلاة‏.‏ ويستدلّون لذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مكِّن جبهتك من الأرض» ولا يحصل التّمكين من الأرض في حالة السّجود على ظهر إنسان‏.‏ أمّا إذا لم يتمكّن من السّجود مطلقاً، فهل يخرج عن المتابعة أو ينتظر ‏؟‏ فيه خلاف وتفصيل ينظر في ‏(‏صلاة الجماعة‏)‏و‏(‏وصلاة الجمعة‏)‏‏.‏

ثانياً‏:‏ التّزاحم في الطّواف

4 - إذا منعت الزّحمة الطّائف من تقبيل الحجر الأسود أو استلامه اقتصر على الإشارة إليه وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء‏.‏ لما روي «عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال لعمر‏:‏ رضي الله عنه يا عمر إنّك رجل قويّ، لا تؤذ الضّعيف، إذا أردتَ استلام الحجر، فإن خلا لك فاستلمه، وإلاّ فاستقبله وكبّر»،‏.‏ والتّفصيل في مصطلح ‏(‏إشارة وطواف‏)‏‏.‏

ثالثاً‏:‏ تزاحم الغرماء في مال المفلس

5 - إذا أقرّ المدين المفلس - بعد الحجر عليه لحقّ الغرماء - بدين قد لزمه قبل الحجر عليه، فهل يقبل في حقّ الغرماء الّذين حجر عليه لحقّهم ويزاحمهم المقرّ له في المال، أم يبقى الدّين في ذمّة المحجور عليه، لئلاّ يتضرّر الغرماء بالمزاحمة ‏؟‏

ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى‏:‏ أنّه لا يقبل إقراره في حقّ الغرماء، إن أقرّ في حال الحجر، لأنّ هذا الحقّ تعلّق به حقّ الأوّلين‏.‏ وعند المالكيّة‏:‏ لا يقبل إقراره إلاّ ببيّنة‏.‏

وأظهر القولين عند الشّافعيّة أنّه يقبل أيضاً في حقّهم ويزاحمهم في المال، كإقرار المريض في مرضه بدين يزاحم غرماء دين الصّحّة‏.‏ هذا إذا أقرّ أنّه لزم الدّين قبل الحجر‏.‏

أمّا إذا لزمه بعد الحجر ففي ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح‏:‏ ‏(‏تفليس‏)‏‏.‏

تزاحم الوصايا

6 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تزاحمت الوصايا نظر فإن كانت كلّها للّه تعالى‏:‏ فإن كانت كلّها فرائض كالحجّ والزّكاة، أو كانت كلّها واجبات كالكفّارات والنّذر، وصدقة الفطر، أو كانت كلّها تطوّعات‏:‏ كحجّ التّطوّع والصّدقة على الفقراء يبدأ بما بدأ به الموصي‏.‏

وإن جمعت ما ذكر كحجّة الإسلام والكفّارات والنّذر وصدقة التّطوّع على الفقراء فيبدأ بالفرض، ثمّ بالواجب، ثمّ بالتّطوّع أمّا إذا جمعت بين حقّ اللّه وحقّ العباد فإنّه يقسم الثّلث على جميعها، لأنّها وإن كانت كلّها للّه في واقع الأمر فكلّ واحدة منها مقصودة في نفسها فتنفرد‏.‏ فلو قال‏:‏ ثلث مالي في الحجّ والزّكاة ولزيد والكفّارات‏.‏ قسم على أربعة أسهم، ولا يقدّم الفرض على حقّ الآدميّ لحاجته‏.‏

هذا إذا كان الآدميّ معيّناً، أمّا إذا كان غير معيّن فلا يقسم بل يقدّم الأقوى فالأقوى، لأنّ الكلّ يبقى حقّاً للّه تعالى، إذا لم يكن هناك مستحقّ معيّن‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ لا يقدّم الواجب على غير الواجب سواء كان تطوّعاً للّه أو لآدميّ‏.‏ بل تتزاحم الوصايا فيوزّع عليه وعلى غيره، ثمّ يكمّل الواجب من صلب المال، إن لم يف الثّلث، وبهذا قال‏:‏ أبو الخطّاب من الحنابلة‏.‏

وعند الحنابلة‏:‏ إن أوصى بأداء الواجب من الثّلث تصحّ الوصيّة، فإن لم تكن له وصيّة غير هذه لم تفد الوصيّة شيئاً ويؤدّي من ماله كلّه كما لو لم يوص‏.‏ وإن أوصى لجهة أخرى قدّم الواجب، وإن فضل شيء من الثّلث بعد الواجب فهو للتّبرّع‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ الوصيّة‏)‏‏.‏

7- وإن أوصى بشيء معيّن لشخص، ثمّ أوصى به لآخر، فالموصى به بين الموصى له به أوّلاً والموصى له به ثانياً، لتعلّق حقّ كلّ واحد منهما على السّواء، فوجب أن يشتركا كما لو جمع بينهما في الوصيّة‏.‏ وإن أوصى لشخص بثلث ماله ثمّ أوصى بثلثه لآخر فالثّلث بينهما إن لم يجز الورثة الثّلثين، وإن أجاز الورثة أخذ كلّ واحد منهما ثلثه، لتغايرهما‏.‏ وكذا إن أوصى بكلّ ماله لشخص ثمّ أوصى به لآخر فهو بينهما للتّزاحم‏.‏

وإن مات أحدهما قبل موت الموصي فكلّ المال للآخر، وكذا إن تأخّر موتهما عن موت الموصي وردّ أحدهما الوصيّة بعد موت الموصي لأنّه اشتراك تزاحم، وقد زال بموت المزاحم وردّه‏.‏ هذا إذا لم يوجد ما يدلّ على رجوع الموصي عن الوصيّة، فإن وجد ما يدلّ على الرّجوع عن الوصيّة الأولى، كأن يقول‏:‏ أوصيت لفلان بما أوصيت به لفلان، فهو رجوع عن الوصيّة لظهوره فيه‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏وصيّة‏)‏‏.‏

خامساً‏:‏ القتل بالزّحام

8 - ذهب الأئمّة الثّلاثة‏:‏ أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنّه إذا تزاحم قوم على بئر، أو باب الكعبة، أو في الطّواف، أو في مضيق، ثمّ تفرّقوا على قتيل لم يعرف قاتله لا يكون ذلك لوثاً، وهو قول إسحاق، وروي ذلك عن عمر وعليّ رضي الله عنهما‏.‏

ثمّ اختلفوا في ديته، فقال الحنفيّة والحنابلة‏:‏ إنّ ديته في بيت المال، واستدلّوا بما روى سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم قال‏:‏ قتل رجل في زحام النّاس بعرفة، فجاء أهله لعمر فقال‏:‏ بيّنتكم على من قتله‏.‏ فقال عليّ يا أمير المؤمنين‏:‏ لا يطلّ دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلاّ فأعط ديته من بيت المال‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ دمه هدر، لأنّه لا يعلم له قاتل، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة، لأنّ أسباب القسامة عندهم خمسة‏.‏ وليس فيها التّفرّق في الزّحام عن قتيل‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ إنّ ذلك يكون لوثاً، ولا يشترط أن تكون بينهم وبينه عداوة‏.‏ وقال الحسن والزّهريّ فيمن مات في الزّحام‏:‏ ديته على من حضر لأنّ قتله حصل منهم، وكذا لو تزاحم قوم لا يتصوّر اجتماعهم على القتل في مضيق، وتفرّقوا عن قتيل، فادّعى الوليّ القتل على عدد منهم يتصوّر اجتماعهم فيقبل، ويمكّن من القسامة‏.‏

مواطن البحث

9 - يذكر الفقهاء التّزاحم في صلاة الجمعة والجماعة‏:‏ في حال تعذّر متابعة المأموم للإمام في انتقالاته للزّحمة‏.‏ وفي باب التّفليس‏:‏ إذا ظهر دين بعد حجر المفلس للغرماء أو طرأ التزام ماليّ جديد‏.‏ وفي الطّواف‏:‏ إذا عسر عليه استلام الحجر أو تقبيله‏.‏

تزكية

التّعريف

1 - التّزكية لغةً‏:‏ مصدر زكّى‏.‏ يقال‏:‏ زكّى فلان فلاناً‏:‏ إذا نسبه إلى الزّكاء، وهو الصّلاح‏.‏ وزكا الرّجل يزكو‏:‏ إذا صلح، فهو زكيّ والجمع أزكياء‏.‏

قال الرّاغب‏:‏ أصل الزّكاة النّموّ الحاصل عن بركة اللّه تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة‏.‏ يقال‏:‏ زكا الزّرع يزكو‏:‏ إذا حصل منه نموّ وبركة‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أيُّها أَزْكَى طَعَامَاً‏}‏ إشارةً إلى ما يكون حلالاً لما لا يستوخم عقباه، ومنه الزّكاة لما يخرج الإنسان من حقّ اللّه تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النّفس أي تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعاً، فإنّ الخيرين موجودان فيها‏.‏ وبزكاة النّفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو أن يتحرّى الإنسان ما فيه تطهيره، وذلك ينسب تارةً إلى العبد، لكونه مكتسباً لذلك، نحو ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا‏}‏ وتارةً ينسب إلى اللّه تعالى لكونه فاعلاً لذلك في الحقيقة نحو ‏{‏بَل اللّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ‏}‏ وتارةً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكونه واسطةً في وصول ذلك إليهم نحو ‏{‏تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا ويُزَكِّيكُم‏}‏ وتارةً إلى العبادة الّتي هي آلة في ذلك نحو ‏{‏وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً‏}‏ ونحو ‏{‏لأَهَبَ لَكِ غُلامَاً زَكِيَّاً‏}‏ أي مزكًّى بالخلقة، وذلك على طريق ما ذكرنا من الاجتباء، وهو أن يجعل بعض عباده عالماً وطاهر الخلق لا بالتّعلّم والممارسة، بل بتوفيق إلهيّ‏.‏

وتزكية الإنسان نفسه ضربان‏:‏ أحدهما‏:‏ بالفعل وهو محمود، وإليه قصد بقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا‏}‏ وقوله ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى‏}‏‏.‏

والثّاني‏:‏ بالقول كتزكية العدل غيره، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، وقد نهى اللّه تعالى عنه فقال‏:‏ ‏{‏فَلا تُزَكُّوا أَنْفَسَكُمْ‏}‏ ونهيه عن ذلك تأديب، لقبح مدح الإنسان نفسه عقلاً وشرعاً، ولهذا قيل لحكيم‏:‏ ما الّذي لا يحسن وإن كان حقّاً ‏؟‏ فقال‏:‏ مدح الرّجل نفسه‏.‏ والفقهاء يعبّرون عن النّسبة إلى الصّلاح بالتّزكية أو التّعديل فهما مترادفان‏.‏

ويعرّفون التّزكية في باب القضاء بأنّها‏:‏ تعديل الشّهود‏.‏

وتزكية الرّجل ماله‏:‏ أن يخرج القدر الواجب عليه من الزّكاة فيه‏.‏

والجَرْحُ ضدّ التّزكية، وهو في اللّغة‏:‏ القطع في الجسم، ومنه قولهم‏:‏ جرحه بلسانه جرحاً‏:‏ إذا عابه وتنقّصه، ومنه‏:‏ جرحت الشّاهد أو الرّاوي‏:‏ إذا أظهرت فيه ما تردّ به شهادته أو روايته‏.‏ وقد أطلق الفقهاء على من يبعث إليه للتّحرّي عن الشّهود ‏(‏المزكّي‏)‏ وهو في الحقيقة يزكّي ويجرح، ولكن وصف بأحسن الوصفين‏.‏

حكم التّزكية

2 - ذهب الإمام أبو حنيفة، وإحدى الرّوايتين عن الإمام أحمد‏:‏ أنّه يقضي بظاهر العدالة، إلاّ إذا طعن الخصم في عدالة من شهد، واستثنى أبو حنيفة الحدود والقصاص، فأوجب فيهما التّزكية وإن لم يطعن الخصم‏.‏

وعند الإمام أحمد في الرّواية المذكورة‏:‏ يستوي في ذلك الحدّ والمال‏.‏ وقال الإمام مالك وأبو يوسف ومحمّد والشّافعيّة، والإمام أحمد في الرّواية الأخرى عنه‏:‏ إنّ التّزكية واجبة في كلّ الأمور، لكنّ ذلك مشروط بما إذا لم يعرف القاضي حال الشّهود، فإن عرف عدالتهم فلا حاجة إلى التّزكية‏.‏ وإن عرف أنّهم مجروحون ردّ شهادتهم، وذلك عند جميع الفقهاء‏.‏

3 - واستدلّ أصحاب القول الأوّل على جواز الحكم بظاهر العدالة بقول عمر‏:‏ المسلمون عدول بعضهم على بعض‏.‏ «وبأنّ أعرابيّاً جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشهد برؤية الهلال، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتشهد ألاّ إله إلاّ اللّه ‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ فقال‏:‏ أتشهد أنّي رسول اللّه ‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ فصام وأمر النّاس بالصّيام»‏.‏

ولأنّ العدالة أمر خفيّ سببها الخوف من اللّه تعالى، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وجد فليكتف به، ما لم يقم على خلافه دليل‏.‏

واستدلّ لأبي حنيفة في استثناء الحدود والقصاص ولزوم التّحرّي فيها وإن لم يطعن الخصم‏:‏ بأنّ الحدود والقصاص ممّا يحتاط فيها وتندرئ بالشّبهات بخلاف غيرها‏.‏

واستدلّ القائلون بوجوب التّزكية في كلّ الأمور بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِمَّنْ تَرْضَونَ مِن الشّهَدَاء‏}‏ ولا يعلم أنّه مرضيّ حتّى نعرفه‏.‏ وبأنّ العدالة شرط، فوجب العلم بها كالإسلام، كما لو طعن الخصم في الشّهود‏.‏ أمّا الأعرابيّ المسلم، فإنّه كان من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد ثبتت عدالتهم بثناء اللّه تعالى عليهم، فإنّ من ترك دينه في زمن رسول اللّه إيثاراً لدين الإسلام وصحبة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثبتت عدالته‏.‏‏"‏ وللأثر عن عمر رضي الله عنه أنّه أتي بشاهدين، فقال لهما عمر‏:‏ لست أعرفكما ولا يضرّكما إن لم أعرفكما، جيئا بمن يعرفكما، فأتيا برجل، فقال له عمر‏:‏ تعرفهما ‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ فقال عمر‏:‏ صحبتَهما في السّفر الّذي يتبيّن فيه جواهر النّاس ‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ عاملتَهما بالدّنانير والدّراهم الّتي تقطع فيها الرّحم ‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ كنت جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما ‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ يا ابن أخي لست تعرفهما‏.‏ جيئا بمن يعرفكما ‏"‏‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ وهذا بحث يدلّ على أنّه لا يكتفى بدونه‏.‏

4 - هذا، وقد قال علماء الحنفيّة‏:‏ إنّ الخلاف بين الإمام وصاحبيه ليس اختلافاً حقيقيّاً، بل هو اختلاف عصر وزمان، فإنّ النّاس في عهده كانوا أهل خير وصلاح، لأنّه زمن التّابعين، وقد شهد لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالخيريّة بقوله‏:‏ «خير النّاسُ قَرْني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتُهم أيمانَهم، وأيمانُهم شهادتَهم» فكان الغالب في أهل زمانه الصّلاح والسّداد، فوقعت الغنية عن السّؤال عن حالهم في السّرّ، ثمّ تغيّر الزّمان وظهر الفساد في قرنهما، فوقعت الحاجة إلى السّؤال عن العدالة‏.‏ ومن العلماء من حقّق الاختلاف‏.‏

متى تسقط التّزكية

5 - قال إسماعيل بن حمّاد ناقلاً عن أبي حنيفة‏:‏ أربعة شهود لا يسأل عن عدالتهم‏:‏ شاهدا ردّ الظّنّة، وشاهدا تعديل العلانية، وشاهدا الغربة، وشاهدا الأشخاص‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ إنّ الشّاهد المبرز في العدالة - أي الفائق أقرانه فيها - لا يعذر فيه لغير العداوة، ويعذر فيه فيها‏.‏ ومثلها القرابة‏.‏ ومنها أنّ المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على من شهد عليه، فإنّه لا يعذر إليه فيمن شهد عليه‏.‏

ونقل صاحب المغني عن مالك‏:‏ أنّه يقبل شهادة المتوسّمين، وذلك إذا حضر مسافران، فشهدا عند حاكم لا يعرفهما، يقبل شهادتهما إذا رأى فيهما سيما الخير، لأنّه لا سبيل إلى معرفة عدالتهما، ففي التّوقّف عن قبولها تضييع الحقوق، فوجب الرّجوع فيهما إلى السّيما الجميلة‏.‏ ومعنى هذا أنّ الشّهود المذكورين لا يسمّون لمن شهدوا عليه ليزكّيهم أو يطعن فيهم، بل يحكم بشهادتهم من غير تزكية، للأسباب الّتي أوردوها‏.‏

أقسام التّزكية

6 - التّزكية نوعان‏:‏ تزكية السّرّ، وتزكية العلانية‏.‏

أمّا تزكية السّرّ، فينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشّهود من هو أوثق النّاس وأورعهم ديانةً وأعظمهم درايةً وأكثرهم خبرةً وأعلمهم بالتّمييز فطنةً، فيولّيه البحث عن أحوال الشّهود، لأنّ القاضي مأمور بالتّفحّص عن العدالة، فيجب عليه المبالغة في الاحتياط فيه‏.‏ وبعد أن يختار، يكتب في رقعة أسماء الشّهود جملةً بأنسابهم وقبائلهم ومحالّهم ومصلاهم، وعلى الجملة كلّ ما يميّزهم عن غيرهم تمييزاً لا تتمكّن معه الشّبهة، فقد يتّفق أن تتّحد الأسماء وتتّفق الأوصاف وغير ذلك‏.‏

فإذا كتب القاضي دفع المكتوب إلى من يستأمنه على ذلك، وأخفاه عن كلّ من سواه، لئلاّ يعلم أحد فيخدع الأمين، وعلى المرسل أمين القاضي أن يتعرّف أحوال الشّهود ممّن يعرف حالهم، فيسأل عنهم أهل الثّقة من جيرانهم وأهل محلاتهم، وأن يسأل أهل أسواقهم‏.‏

أمّا تزكية العلانية، فتكون بعد تزكية السّرّ‏.‏

وكيفيّتها‏:‏ أن يحضر القاضي المزكّي بعدما زكّى، ليزكّي الشّهود أمامه‏.‏

وهل يلزم أن يجمع بين التّزكية في السّرّ والتّزكية في العلانية ‏؟‏ اختلف الفقهاء في ذلك‏.‏

قال الحنفيّة‏:‏ اليوم وقع الاكتفاء بتزكية السّرّ، لما في تزكية العلانية من بلاء وفتنة‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ يندب للقاضي تزكية السّرّ مع تزكية العلانية‏.‏ فإن اقتصر على تزكية السّرّ أجزأه قطعاً كالعلانية على الرّاجح‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ بعد تزكية السّرّ يشافه المبعوث الحاكم بما سمعه من المبعوث إليه‏.‏ وقيل‏:‏ يشافه المبعوث إليه بما يعلمه المبعوث من جهة الحاكم‏.‏ وقيل‏:‏ تكفي كتابته‏.‏ والظّاهر من كلام الحنابلة أنّه يكتفى بتزكية السّرّ‏.‏

7- ثمّ هل المعتبر قول المرسل إليه ‏(‏المزكّي‏)‏ أو قول المرسلين، ويسمّون أصحاب المسائل ‏؟‏ قال بعض الشّافعيّة‏:‏ المعوّل عليه شهادة المزكّي‏.‏

ونقل الشّيخان من الشّافعيّة‏:‏ أنّهما نقلا عن جمع من الأصحاب أنّ المعوّل على قول أصحاب المسائل، خلافاً لأبي إسحاق، وأنّ ابن الصّبّاغ اعتذر عن قبولها، وهي شهادة على شهادة - والأصل حاضر - لمكان الضّرورة‏.‏

التّعارض بين التّزكية والجرح

اختلف فقهاء الحنفيّة في التّعارض بين التّزكية والجرح، فقد نقل معين الحكّام عن المبسوط أنّه لو عدّله واحد، وجرّحه آخر، أعاد المسألة‏.‏ وهذا قول محمّد‏.‏

لأنّ العدالة والجرح لا يثبت عنده بقول الواحد فصارا متساويين‏.‏

وعند أبي حنيفة وأبي يوسف‏:‏ الجرح أولى، لأنّ الجرح والتّعديل يثبت بقول الواحد عندهما، وترجّح الجرح على التّعديل، لأنّ الجارح في الجرح اعتمد على الدّليل، وهو العيان والمشاهدة، فإنّ سبب الجرح ارتكاب الكبيرة‏.‏

ولو جرّحه واحد وعدّله اثنان، فالتّعديل أولى‏.‏ ولو عدّله جماعة وجرّحه اثنان فالجرح أولى، لأنّه لا يثبت التّرجيح بزيادة العدد على الاثنين‏.‏

8- وعند المالكيّة لو عدّل شاهدان رجلاً وجرّحه آخران، ففي ذلك قولان‏.‏

قيل‏:‏ يقضى بأعدلهما، لاستحالة الجمع بينهما‏.‏ وقيل‏:‏ يقضى بشهود الجرح، لأنّهم زادوا على شهود التّعديل، إذ الجرح ممّا يبطن فلا يطّلع عليه كلّ النّاس، بخلاف العدالة‏.‏ وللّخميّ تفصيل، قال‏:‏ إن كان اختلاف البيّنتين في فعل شيء في مجلس واحد، كدعوى إحدى البيّنتين أنّه فعل كذا في وقت كذا، وقالت البيّنة الأخرى‏:‏ لم يكن ذلك، فإنّه يقضى بأعدلهما‏.‏ وإن كان ذلك في مجلسين متقاربين قضي بشهادة الجرح، لأنّها زادت علماً في الباطن‏.‏ وإن تباعد ما بين المجلسين قضي بآخرهما تاريخاً، ويحمل على أنّه كان عدلاً ففسق، أو كان فاسقاً فتزكّى، إلاّ أن يكون في وقت تقييد الجرح ظاهر العدالة فبيّنة الجرح مقدّمة، لأنّها زادت‏.‏ وعند الشّافعيّة‏:‏ أنّه يقدّم الجرح على التّعديل لما فيه من زيادة العلم‏.‏ فإن قال المعدّل‏:‏ عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح، قدّم قوله على قول الجارح‏.‏

أمّا الحنابلة فقد قال في المغني‏:‏ فإذا رجع أصحاب مسألة فأخبر اثنان بالعدالة، قبل القاضي شهادته‏.‏ وإن أخبرا بالجرح ردّ شهادته وإن أخبر أحدهما بالعدالة والآخر بالجرح بعث آخرين، فإن عادا فأخبرا بالتّعديل تمّت بيّنة التّعديل، وسقط الجرح لأنّ بيّنته لم تتمّ، وإن أخبرا بالجرح ثبت وردّ الشّهادة‏.‏

وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتّعديل تمّت البيّنتان ويقدّم الجرح‏.‏

وقت التّزكية

9 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّزكية تكون بعد الشّهادة لا قبلها‏.‏

عدد من يقبل في التّزكية

10 - تقدّم أنّ التّزكية نوعان‏:‏ تزكية السّرّ، وتزكية العلانية‏.‏

فبالنّسبة لتزكية السّرّ، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في أحد قوليه‏:‏ إنّ القاضي يجتزئ بواحد في تزكية السّرّ، لأنّها ليست شهادةً بل هي إخبار‏.‏

والقول الآخر لمالك، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أنّه لا بدّ من اثنين‏.‏

أمّا بالنّسبة لتزكية العلانية، فالأئمّة الثّلاثة، وهو المشهور عند المالكيّة‏:‏ أنّه لا يقبل فيها إلاّ اثنان، لأنّها شهادة‏.‏ وقال ابن كنانة من المالكيّة‏:‏ لا بدّ من ثلاثة‏.‏ وعن ابن الماجشون‏:‏ أنّ أقلّ ما يزكّي الرّجل أربعة شهود‏.‏ وقال ابن حبيب في الواضحة‏:‏ والتّزكية تختلف، فتكون بالواحد والاثنين والجماعة، بقدر ما يظهر للحاكم ويتأكّد عنده‏.‏

قال المتيطيّ‏:‏ وما كثر من الشّهود فهو أحسن، إلاّ أن تكون التّزكية في شاهد شهد بزناً، فإنّ مطرّفاً روى عن مالك‏:‏ أنّه لا يزكّيه إلاّ أربعة‏.‏

من تقبل تزكيته

11 - فقهاء المذاهب - عدا الحنفيّة - قالوا‏:‏ يشترط في شاهد التّزكية أن يكون مبرزاً ناقداً فطناً، لا يخدع في عقله، ولا تخفى عليه شروط التّعديل‏.‏

ولا تقبل التّزكية من الأبله والجاهل بشروط العدالة، وإن كان في نفسه عدلاً مقبولاً في غير ذلك‏.‏ ولا يقبل قول من يرى تعديل كلّ مسلم‏.‏

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف‏:‏ تعديل السّرّ يقبل فيه تعديل الوالد لولده وكلّ ذي رحم محرم لرحمه، لأنّ تعديل السّرّ ليس بشهادة‏.‏ وقال محمّد‏:‏ هو شهادة فلا بدّ من شهادة اثنين‏.‏

12 - وقال الحنفيّة‏:‏ يقبل تعديل المرأة لزوجها وغيره، إذا كانت امرأةً برزةً تخالط النّاس وتعاملهم، لأنّ لها خبرةً بأمورهم فيفيد السّؤال‏.‏ قالوا‏:‏ وتجوز تزكية السّرّ من الأعمى والصّبيّ والمحدود في قذف‏.‏ وهذا خلافاً لمحمّد‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ لا تقبل تزكية النّساء، لا في حقّ الرّجال ولا في حقّ النّساء‏.‏

قال ابن رشد‏:‏ إنّ التّزكية يشترط فيها التّبريز في العدالة، وهي صفة تختصّ بالرّجال‏.‏

قال‏:‏ وقد قيل‏:‏ إنّهنّ يزكّين الرّجال إذا شهدوا فيما تجوز شهادتهنّ فيه، وهو قول ابن نافع وابن الماجشون في المبسوطة‏.‏ والقياس جواز تزكيتهنّ للنّساء‏.‏

تزكية المشهود عليه للشّاهد

13 - قال الحنفيّة‏:‏ إذا عدّل المدّعى عليه شهود المدّعي، بأن قال‏:‏ صدقوا في شهادتهم، أو قال‏:‏ هم عدول في شهادتهم، يقضى عليه بالمال بإقراره لا بالشّهادة، لأنّ ذلك إقرار منه بالمال‏.‏ وإن قال‏:‏ هم عدول، ولم يزد عليه، ذكر في الجامع الصّغير‏:‏ أنّه لا يصحّ هذا التّعديل، لأنّ من زعم المدّعي وشهوده أنّ المدّعى عليه في الجحود ظالم وكاذب، فلا تصحّ تزكيته‏.‏ وقال في كتاب التّزكية‏:‏ ويجوز تعديل المشهود عليه إذا كان من أهله، لأنّ تعديل المشهود عليه بمنزلة تعديل المزكّي، وإقراره بكون الشّاهد عدلاً لا يكون إقراراً بوجوب الحقّ على نفسه لا محالة‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ لو أقرّ الخصم المشهود عليه بالعدالة لمن شهد عليه يحكم القاضي بهذا الإقرار، ولو علم خلاف ذلك، لأنّ إقراره بعدالته كإقراره بالحقّ، حتّى لو شهدت بيّنة بخلاف عدالة الشّاهد‏.‏ أمّا الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ فإذا شهد عند القاضي مجهول الحال، فقال المشهود عليه‏:‏ هو عدل، فعند الشّافعيّة‏:‏ فيه قولان، وهما وجهان عند الحنابلة‏.‏

أوّلاً - لا يكفي في الأصحّ في التّعديل قول المدّعى عليه‏:‏ هو عدل، وقد غلط في شهادته عليّ‏.‏ وقيل‏:‏ يكفي في حقّه، لأنّه اعترف بما لو ثبت بالبيّنة يقضى عليه‏.‏

والقولان هما الوجهان عند الحنابلة‏.‏

الأوّل‏:‏ أنّه يلزم الحاكم الحكم بشهادته، لأنّ البحث عن عدالته لحقّ المشهود عليه، وقد اعترف بها، ولأنّه إذا أقرّ بعدالته فقد أقرّ بما يوجب الحكم لخصمه عليه، فيؤخذ بإقراره كسائر أقاريره‏.‏

والوجه الثّاني‏:‏ أنّه لا يجوز الحكم بشهادته، لأنّ في الحكم بها تعديلاً له، فلا يثبت بقول واحد، ولأنّ اعتبار العدالة في الشّاهد حقّ للّه تعالى، ولهذا لو رضي الخصم أن يحكم عليه بقول فاسق لم يجز الحكم به، لأنّه لا يخلو إمّا أن يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه‏:‏ لا يجوز أن يقال مع تعديله، لأنّ التّعديل لا يثبت بقول الواحد‏.‏

ولا يجوز مع انتفاء تعديله، لأنّ الحكم بشهادة غير العدل غير جائز، بدليل شهادة من ظهر فسقه‏.‏ فإن قلنا بالأوّل فلا يثبت تعديله في حقّ غير المشهود عليه، لأنّه لم توجد بيّنة التّعديل، وإنّما يحكم عليه لإقراره بوجود شروط الحكم، وإقراره يثبت في حقّه دون غيره كما لو أقرّ بحقّ عليه وعلى غيره ثبت في حقّه دون غيره‏.‏

تجديد التّزكية

14 - قال الإمام أحمد‏:‏ ينبغي للقاضي أن يسأل عن شهوده كلّ قليل، لأنّ الرّجل ينتقل من حال إلى حال‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ هل هذا مستحبّ أو واجب ‏؟‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنّه مستحبّ، لأنّ الأصل بقاء ما كان، فلا يزول حتّى يثبت الجرح‏.‏

والثّاني‏:‏ يجب البحث كلّما مضت مدّة يتغيّر الحال فيها، لأنّ العيب يحدث، وذلك على ما يراه الحاكم‏.‏ ولأصحاب الشّافعيّ فيه وجهان مثل هذين‏.‏

ويرى الحنفيّة‏:‏ أنّه متى ثبتت العدالة عند القاضي، ثمّ شهد الشّهود في حادثة أخرى، فلا يشتغل بتعديلهم إن كان العهد قريباً، وإلاّ سأل عنهم‏.‏ وفي الحدّ الفاصل بينهما قولان، أحدهما‏:‏ أنّ القريب مقدّر بستّه أشهر‏.‏

والثّاني‏:‏ أنّه مفوّض إلى رأي القاضي‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ أنّه لو شهد المزكّي ثانياً قبل عام من تاريخ شهادته السّابقة، وجهل حاله، ولم يكثر معدّلوه، ووجد من يعدّله عند شهادته ثانياً، فقد اختلفوا فيه على قولين‏:‏

الأوّل‏:‏ ما قاله أشهب عن مالك أنّه لا يحتاج إلى تزكية‏.‏

والقول الثّاني لسحنون‏:‏ أنّه يحتاج إلى تزكية‏.‏ فإن فقد قيد من الثّلاثة الأخيرة‏:‏ بأن لم يجهل حاله، أو كثر معدّلوه، أو لم يوجد من يعدّله ثانياً لم يحتج إلى تزكية أخرى اكتفاءً بالتّزكية السّابقة اتّفاقاً بين المالكيّة‏.‏ أمّا لو فقد القيد الأوّل، كما لو شهد مجهول الحال بعد تمام سنة، ولم يكن زكّاه قبله كثيرون احتاج لإعادة التّزكية اتّفاقاً‏.‏

بيان سبب الجرح والتّعديل

15 - قال أبو حنيفة والمالكيّة‏:‏ يقبل الجرح المطلق، وهو‏:‏ أن يشهد أنّه فاسق، أو أنّه ليس بعدل‏.‏ وعن أحمد مثله، لأنّ التّعديل يسمع مطلقاً فكذلك الجرح، لأنّ التّصريح بالسّبب يجعل المجرّح فاسقاً، ويوجب عليه الحدّ في بعض الحالات‏.‏ وهو أن يشهد عليه بالزّنى، فيفضي الجرح إلى جرح الجارح، وتبطل شهادته، ولا يتجرّح بها المجروح‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ يجب ذكر سبب الجرح للاختلاف فيه، بخلاف سبب التّعديل‏.‏

واستدلّ من قالوا باشتراط بيان سبب الجرح بأنّ النّاس يختلفون في أسباب الجرح، كاختلافهم في شارب النّبيذ، فوجب ألاّ يقبل مجرّد الجرح، لئلاّ يجرّحه بما لا يراه القاضي جرحاً، ولأنّ الجرح ينقل عن الأصل، فإنّ الأصل في المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها، فلا بدّ أن يعرف النّاقل، لئلاّ يعتقد نقله عن أصل العدالة بما لا يراه الحاكم ناقلاً‏.‏

الفرق بين شهود الدّعوى وشهود التّزكية

16 - يختلف شهود التّزكية عن شهود الدّعوى في أمور، ويتّفقان في أمور‏:‏

فيتّفقان في الجملة في اشتراط العقل الكامل والضّبط والولاية والعدالة والبصر والنّطق، وألاّ يكون الشّاهد محدوداً في قذف، وعدم القرابة المانعة من قبول الشّهادة، وألاّ تجرّ الشّهادة على الشّاهد نفعاً‏.‏ وهذه الشّرائط هي في الجملة، إذ في كلّ مذهب تفصيل‏.‏ وهذا في تزكية العلانية‏.‏ أمّا في تزكية السّرّ، فقد تقدّم الكلام عمّن تقبل شهادتهم فيها، ومن ذلك يعلم الفرق بين شهود تزكية السّرّ والشّهادة أمام القاضي‏.‏ ويختلفان في أنّ شاهد التّزكية في العلانية يشترط أن يكون‏:‏ مبرزاً في العدالة فطناً حذراً لا يخدع ولا يستغفل‏.‏

قال محمّد بن الحسن في النّوادر‏:‏ كم من رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعديله، لأنّه يحسن أن يؤدّي ما سمع ولا يحسن التّعديل‏.‏

وفي كتاب ‏(‏المتيطيّة‏)‏ من كتب المالكيّة‏:‏ شهود التّزكية بخلاف شهود الحقوق‏.‏

قال مالك‏:‏ قد تجوز شهادة الرّجل ولا يجوز تعديله، ولا يجوز إلاّ تعديل العارف‏.‏

وقال سحنون‏:‏ لا يجوز في التّعديل إلاّ العدل المبرز الفطن الّذي لا يخدع في عقله ولا يستزلّ في رأيه‏.‏ وعلى هذا أكثر أصحاب مالك، وبه جرى العمل‏.‏

وروي عنه أيضاً‏:‏ شهود التّزكية كشهود سائر الحقوق‏.‏

17 - ومثل ما تقدّم ما قاله الشّافعيّة‏:‏ أنّه يشترط في المزكّي ما يشترط في الشّاهد ويزيد عليه أمران‏:‏ أحدهما‏:‏ معرفة أسباب الجرح والتّعديل، لأنّه يشهد بهما‏.‏

والأمر الثّاني‏:‏ خبرة باطن من يعدّله أو يجرّحه، بصحبة أو جوار أو معاملة، ليتأتّى له بها التّعديل أو الجرح‏.‏ ولا يخرج كلام الحنابلة عن ذلك‏.‏ فقد قالوا‏:‏ لا يقبل التّعديل إلاّ من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة، ولأنّ عادة النّاس إظهار الصّالحات وإسرار المعاصي، فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة ربّما اغترّ بحسن ظاهره، وهو في باطنه فاسق‏.‏

تزكية الشّهود الذّمّيّين لمثلهم

18 - إذا ترافع الذّمّيّون أمام قاض مسلم، وطلبوا منه الفصل فيما شجر بينهم، وأحضر المدّعي شهوده الذّمّيّين على المدّعى عليهم الذّمّيّين، فقد قال الحنفيّة‏:‏ التّزكية للذّمّيّ تكون بالأمانة في دينه ولسانه ويده، وأنّه صاحب يقظة‏.‏ فإن لم يعرفه المسلمون سألوا عنه عدول الذّمّيّين‏.‏ ولم يعثر على حكم تزكية الذّمّيّين في المذاهب الأخرى‏.‏

رجوع المزكّي عن التّزكية

19 - يرى أبو حنيفة أنّه لو رجع المزكّون عن تزكيتهم للشّهود، بأن قالوا مثلاً‏:‏ إنّ الشّهود عبيد أو مجوس، وقد زكّيناهم ونحن نعلم ذلك، فالدّية على المزكّين عند أبي حنيفة، ولا يقتصّ منهم لو رجم المشهود عليه بالزّنا وهو محصن‏.‏

وقال الصّاحبان‏:‏ بل يقتصّ منهم وأمّا إذا قالوا‏:‏ أخطأنا في التّزكية فلا شيء عليهم‏.‏

وقيل‏:‏ الخلاف بين الإمام وصاحبيه فيما إذا أخبر المزكّون أنّ الشّهود أحرار، فإذا هم عبيد أمّا إذا قالوا‏:‏ هم عدول، فبانوا عبيداً لا يضمنون إجماعاً، لأنّ العبد قد يكون عدلاً‏.‏ ومذهب المالكيّة‏:‏ أنّه لو رجع المزكّي لشهود الزّنا أو قتل العمد عن تزكيتهم، بعد رجم المشهود عليه، أو قتله قصاصاً، فلا يغرم المزكّي شيئاً من الدّية، سواء رجع الشّهود الأصول أم لا‏.‏ وقال الشّافعيّة في الوجه الأصحّ عندهم‏:‏ إنّه يتعلّق بالمزكّي الرّاجع القصاص والضّمان، لأنّه ألجأ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل‏.‏ وفي وجه آخر‏:‏ لا، لأنّه لم يتعرّض للمشهود عليه، وإنّما أثنى على الشّاهد، والحكم يقع بالشّاهد، فكان كالممسك مع القاتل‏.‏ وفي وجه ثالث‏:‏ يتعلّق به الضّمان دون القصاص‏.‏

قال القفّال‏:‏ الخلاف فيما إذا قال المزكّيان‏:‏ علمنا كذب الشّاهدين‏.‏ فإن قالا‏:‏ علمنا فسقهما فلا شيء عليهما، لأنّهما قد يكونان صادقين مع الفسق، وطرد الإمام الخلاف في الحالين‏.‏

وعند الحنابلة أنّ المزكّيين إذا رجعا عن التّزكية ضمنا، لأنّهما تسبّبا في الحكم غير الحقّ، فيضمنان كرجوع شهود الإحصان‏.‏

تزكية الشّهود بعضهم لبعض

20 - يكفي عند الحنفيّة تزكية أحد الشّاهدين صاحبه في الأصحّ، لأنّ العدل لا يتّهم بمثله‏.‏ وغاية ما فيه أنّ فيه منفعةً من حيث القضاء بشهادته، ولكنّ العدل لا يتّهم بمثله كما لا يتّهم في شهادة نفسه‏.‏ وفي الفتح أنّ بعضهم قال‏:‏ لا يجوز، لأنّه متّهم، حيث كان بتعديله رفيقه يثبت القضاء بشهادته‏.‏

ولكنّ الصّحيح ما ذكر، لأنّ شهادته تتضمّن مثل هذه المنفعة وهي القضاء بها، فكما أنّه لم يعتبر الشّرع مع عدالته ذلك مانعاً، كذلك تعديله لمن شهد معه‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ أنّ الشّاهد لا يزكّي من شهد معه، ولا تقبل معه شهادته في ذلك الحقّ‏.‏ وأجاز سحنون إذا شهدت طائفة بعد ذلك أن تزكّي كلّ طائفة صاحبتها، وهو عنده بمنزلة ما لو شهدتا في حقّين مختلفين‏.‏ وروي عنه أنّ ذلك لا يجوز ولو شهدتا في حقّين مختلفين‏.‏ وعند الشّافعيّة‏:‏ أنّه لا يجوز أن يزكّي أحد الشّاهدين الآخر، وفيه وجه ضعيف أنّه يجوز‏.‏

التّزكية تكون على عين المزكّي

21 - التّزكية الّتي تشترط وتقبل تكون على عين المزكّي، وذلك في تزكية العلانية‏.‏ وصفتها‏:‏ أن يحضر القاضي المزكّي - بعدما زكّى الشّهود في السّرّ - ليزكّيهم علانيةً بين يديه، ويشير إليهم فيقول‏:‏ هؤلاء عدول عندي، إزالةً للالتباس، واحترازاً عن التّبديل والتّزوير‏.‏ قال ابن فرحون‏:‏ لا يزكّى الشّاهد إذا لم يعرفه القاضي إلاّ على عينه، وليس على القاضي أن يسأل المزكّي عن تفسير العدالة إذا كان المزكّي عالماً بوجوهها، ولا عن الجرحة إذا كان عالماً بها‏.‏

ولم يصرّح الحنابلة بتكرار سؤال المزكّي أمام الشّهود وإشارته إلى عين من يزكّيهم‏.‏

الإعذار إلى المدّعى عليه في تزكية المزكّين

22 - هل على القاضي أن يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى من شهد عليه من تلقاء نفسه ‏؟‏ أو يطلب من المدّعى عليه أو لا يعذر أصلاً‏.‏

الّذي يفيده كلام الحنفيّة‏:‏ أنّه لا يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى شهود المدّعي‏.‏ إذ قالوا‏:‏ اليوم وقع الاكتفاء بتزكية السّرّ، لما في تزكية العلانية من بلاء وفتنة‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ ممّا لا يعذر فيه مزكّي السّرّ، وهو من يخبر القاضي في السّرّ بحال الشّهود من عدالة أو جرح‏.‏ ولو سأل الطّالب المقيم للبيّنة عمّن جرّحها لا يلتفت إلى سؤاله‏.‏

وكذلك لو سأل المطلوب عمّن زكّى بيّنة الطّالب، فإنّه لا يلتفت إليه، لأنّه لا يقيم لذلك إلاّ من يثق به، فهو قائم مقام القاضي فلا يعذر في نفسه‏.‏

وكذلك الشّاهد المبرز في العدالة الفائق أقرانه فيها لا يعذر فيه لغير العداوة، ويعذر فيه فيها، ومثلها القرابة‏.‏ وكذلك المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على من شهد عليه، فإنّه لا يعذر إليه فيمن شهد عليه، ومعناه أنّ الشّاهد على من يخشى منه لا يسمّى له‏.‏

ومؤدّى ذلك أنّ غير المذكورين يعذر فيهم إلى المشهود عليه‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ بعد السّؤال والبحث ومشافهة المزكّي بما عنده، فإن كان جرحاً ستره، وقال للمدّعي‏:‏ زدني في شهودك، أو تعديلاً عمل بمقتضاه‏.‏

وظاهر ذلك أنّه يعمل بمقتضى الجرح والتّعديل، من غير أن يقول للمدّعي الّذي أحضر الشّهود‏:‏ إنّ شهودك قد جرّحهم فلان وفلان، ولا يقول للمدّعى عليه‏:‏ إنّ من شهدوا عليك قد عدّلهم فلان وفلان‏.‏ هذا ولم نطّلع على حكم ذلك عند الحنابلة‏.‏

تزكية رواة الأحاديث

23 - الأحكام الّتي تقدّمت هي في شهود الدّعاوى‏.‏ أمّا بالنّسبة لرواة الأحاديث فقد أجمع جماهير أئمّة الحديث والفقه على أنّه يشترط فيمن يحتجّ بروايته‏:‏ أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، سالماً من أسباب الفسق وما يخلّ بالمروءة متيقّظاً غير مغفّل، حافظاً إن حدّث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدّث من كتابه‏.‏ وإن كان يحدّث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك‏:‏ أن يكون عالماً بما يحيل المعاني‏.‏

وعدالة الرّاوي تارةً تثبت بتنصيص معدّلين على عدالته، وتارةً تثبت بالاستفاضة، فيمن اشتهرت عدالته من أهل النّقل أو نحوهم من أهل العلم، ومن شاع الثّناء عليه بالثّقة والأمانة استغني فيه بذلك عن بيّنة شاهدة بعدالته تنصيصاً، وهذا هو الصّحيح في مذهب الشّافعيّ، وعليه الاعتماد في فنّ أصول الفقه‏.‏

وذلك مثل الإمام مالك وأبي بكر الخطيب الحافظ‏.‏

والتّعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصّحيح المشهور، لأنّ أسبابه كثيرة يصعب حصرها، بخلاف الجرح، فإنّه لا يقبل إلاّ مفسّراً مبيّن السّبب، لأنّ النّاس يختلفون فيما يجرّح ولا يجرّح‏.‏

وهناك تفصيلات وأحكام أخرى يرجع إليها في الملحق الأصوليّ،وفي علم مصطلح الحديث‏.‏

تزكية الإنسان نفسه

24 - نهى اللّه عزّ وجلّ عن تزكية الإنسان نفسه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم هوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ‏}‏‏.‏ وليس من التّزكية المذمومة بيان الإنسان لبعض صفاته على سبيل التّعريف، حيث يحتاج إلى ذلك في توليته، كما حصل لنبيّ اللّه يوسف عليه السلام حيث قال‏:‏ ‏{‏اجْعَلْنِي على خَزَائنِ الأرضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏مدح‏)‏‏.‏

تزويج

التّعريف

1 - التّزويج لغةً‏:‏ مصدر زوّج‏.‏ يقال‏:‏ تزوّجت امرأةً، وزوَّجه امرأةً أي‏:‏ قرنه بها‏.‏

وفي التّنزيل‏:‏ ‏{‏وَزَوَّجْنَاهم بِحُورٍ عِينٍ‏}‏ أي قرنّاهم بهنّ، وكلّ شيئين اقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان، والاسم من التّزويج‏:‏ الزّواج‏.‏

وهو في الاصطلاح كما عرّفه الحنفيّة‏:‏ عقد يفيد ملك استمتاع الرّجل بالمرأة، وحلّ استمتاع المرأة بالرّجل على وجه مشروع‏.‏

الحكم التّكليفي

2 - التّزويج ليس له حكم واحد ينطبق عليه في جميع الحالات بل يختلف حكمه باختلاف النّاس من ناحية قدرتهم على مطالب الزّواج واستعدادهم للقيام بالحقوق الزّوجيّة‏.‏

فيكون فرضاً أو واجباً أو حراماً أو مكروهاً أو مندوباً أو مباحاً‏.‏

فيكون فرضاً أو واجباً‏:‏ إذا كان الشّخص في حالة يتيقّن فيها الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج، وكان قادراً على النّفقة والمهر وحقوق الزّواج الشّرعيّة، ولا يستطيع الاحتراز عن الوقوع في الزّنى ونحوه‏.‏

ويكون حراماً‏:‏ إذا كان المرء في حالة يتيقّن فيها عدم القيام بأمور الزّوجيّة والإضرار بالمرأة إذا هو تزوّج‏.‏

ويكون مكروهاً‏:‏ إذا خاف الشّخص الوقوع في الجور والضّرر إن تزوّج، لعجزه عن الإنفاق أو عدم القيام بالواجبات الزّوجيّة‏.‏

ويكون مندوباً‏:‏ في حالة الاعتدال، وهي أن يكون الشّخص معتدل الطّبيعة، بحيث لا يخشى الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوّج، وهذا عند جمهور الفقهاء‏.‏ وقال الشّافعيّة‏:‏ إنّ الزّواج في هذه الحالة مباح، يجوز فعله وتركه‏.‏

مَنْ له ولاية التّزويج

3 - اتّفق الفقهاء على أنّ الرّجل الحرّ البالغ العاقل الرّشيد له أن يزوّج نفسه، وأن يباشر عقد النّكاح دون إذن من أحد، لما له من حرّيّة التّصرّف في خالص حقّه‏.‏ كما أنّ له أن يوكّل غيره في تزويجه، وأن يزوّج غيره بالولاية أو الوكالة‏.‏

أمّا الصّغير والمجنون فلا ولاية لهما على أنفسهما، وإنّما يزوّجهما الوليّ أباً أو جدّاً، أو الوصيّ عليهما‏.‏ ولا يجوز للصّغير والمجنون مباشرة عقد النّكاح، لعدم أهليّتهما‏.‏

والسّفيه لا يصحّ له الزّواج بدون إذن القيّم عليه عند المالكيّة والشّافعيّة، خلافاً للحنفيّة والحنابلة فيجوز له أن يتزوّج بلا إذن وليّه، وأن يباشر العقد عند الحنفيّة، لأنّه عقد غير ماليّ فصحّ منه، وإن لزم منه المال، فحصوله بطريق الضّمن، فلا يمنع الحجر عليه من العقد‏.‏ وقال ابن قدامة في تزويج القيّم للسّفيه‏:‏ إن تزوّج صحّ النّكاح بإذن وليّه وبغير إذنه وقال أبو الخطّاب‏:‏ لا يصحّ بغير إذن وليّه‏.‏

والولاية على الصّغير والمجنون ولاية إجبار، فيجوز للوليّ تزويجهما، بدون إذنهما، إذا كان في ذلك مصلحة‏.‏ وهذا بلا خلاف‏.‏

لكن الاختلاف فيمن له ولاية الإجبار، هل الأب فقط أو الأب والجدّ، أو الأب والجدّ والوصيّ أو غيرهما‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في ‏(‏ولاية‏)‏‏.‏

تزويج المرأة نفسها

4 - المرأة البالغة العاقلة الحرّة الرّشيدة لا يجوز لها تزويج نفسها، بمعنى أنّها لا تباشر العقد بنفسها، وإنّما يباشره الوليّ عند جمهور الفقهاء، لحديث «لا نِكاح إلاّ بوليّ» وروي عن عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها، فإن تشاجروا فالسّلطان وليّ من لا وليّ له» ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها»‏.‏

ولا يجوز لها أن تزوّج غيرها، سواء أكانت المرأة بكراً أم ثيّباً‏.‏ وقالوا‏:‏ البكر يجبرها الوليّ على النّكاح، لكن يستحبّ إذنها‏.‏ أمّا الثّيّب إن كانت صغيرةً فلا يجوز تزويجها حتّى تبلغ، وتستأذن‏.‏ وذلك عند الشّافعيّة‏.‏

وفي وجه عند الحنابلة، وهو ظاهر قول الخرقيّ، واختاره ابن حامد وابن بطّة والقاضي‏.‏ وعند المالكيّة، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة‏:‏ أنّ لأبيها تزويجها، ولا يجب أن يستأمرها، وهو أيضاً قول للحنفيّة‏.‏ والعلّة عندهم هي الصّغر، ولذلك له ولاية إجبارها‏.‏

أمّا الثّيّب الكبيرة - فإنّها وإن كانت لا تلي عقد نكاحها بنفسها عند الجمهور - إلاّ أنّه لا يجوز تزويجها بدون إذنها ورضاها لما «روت الخنساء بنت خذام الأنصاريّة أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب، فكرهت ذلك، فأتت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحه»‏.‏ ولحديث «الثّيّب أحقّ بنفسها من وليّها»‏.‏

أمّا الحنفيّة‏:‏ فإنّه لا يجوز عندهم إجبار البالغة على النّكاح بكراً كانت أم ثيّباً، ولها أن تعقد النّكاح بنفسها‏.‏ ففي الهداية‏:‏ ينعقد نكاح الحرّة العاقلة البالغة برضاها، وإن لم يعقد عليها وليّ، بكراً كانت أو ثيّباً عند أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرّواية‏.‏

وعن أبي يوسف أنّه لا ينعقد إلاّ بوليّ‏.‏ وعند محمّد ينعقد موقوفاً‏.‏

ووجه الجواز‏:‏ أنّها تصرّفت في خالص حقّها وهي من أهله، لكونها عاقلةً بالغةً مميّزةً، وإنّما يطالب الوليّ بالتّزويج كي لا تنسب إلى الوقاحة‏.‏ والثّيّب من باب أولى إذا كانت كبيرةً، فإنّها تعقد على نفسها‏.‏ أمّا الصّغيرة سواء أكانت بكراً أم ثيّباً فلوليّها إجبارها على النّكاح، لأنّ ولاية الإجبار تدور مع الصّغر وجوداً وعدماً‏.‏ وأمّا المجنونة فللوليّ إجبارها على النّكاح مطلقاً، وهذا باتّفاق‏.‏ وفي كلّ ما مرّ تفصيل ينظر في ‏(‏نكاح - ولاية‏)‏‏.‏

تزوير

التّعريف

1 - التّزوير في اللّغة‏:‏ مصدر زوّر، وهو من الزّور، والزّور‏:‏ الكذب، قال تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين لا يَشْهَدُونَ الزّورَ‏}‏ وزوّر كلامه‏:‏ أي زخرفه، وهو أيضاً‏:‏ تزيين الكذب‏.‏

وزوّرت الكلام في نفسي‏:‏ هيّأته، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه‏:‏ ما زوّرت كلاماً لأقوله إلاّ سبقني إليه أبو بكر‏.‏ أي‏:‏ هيّأته وأتقنته‏.‏ وله في اللّغة معان أخرى‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ تحسين الشّيء ووصفه بخلاف صفته، حتّى يخيّل إلى من سمعه أو رآه أنّه بخلاف ما هو عليه في الحقيقة‏.‏ فهو تمويه الباطل بما يوهم أنّه حقّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الكذب‏:‏

2 - الكذب هو‏:‏ الإِخبار بما ليس مطابقاً للواقع‏.‏ وبينه وبين التّزوير عموم وخصوص وجهيّ، فالتّزوير يكون في القول والفعل، والكذب لا يكون إلاّ في القول‏.‏

والكذب قد يكون مزيّناً أو غير مزيّن، والتّزوير لا يكون إلاّ في الكذب المموّه‏.‏

ب - الخلابة‏:‏

3 - الخلابة هي‏:‏ المخادعة، وتكون بستر العيب، وتكون بالكذب وغيره‏.‏

ت - التّلبيس‏:‏

4 - التّلبيس من اللَبْس، وهو اختلاط الأمر، وهو ستر الحقيقة وإظهارها بخلاف ما هي عليها‏.‏

ث - التّغرير‏:‏

5 - التّغرير هو‏:‏ الخديعة والإيقاع في الباطل وفيما انطوت عاقبته‏.‏

ج – الغشّ‏:‏

6 - الغشّ مصدر غشّه إذا لم يمحّضه النّصح، بل خدعه‏.‏

والغشّ يكون بالقول والفعل، فالتّزوير والغشّ لفظان متقاربان‏.‏

ح - التّدليس‏:‏

7 - التّدليس‏:‏ كتمان العيب، وهو في البيع كتمان عيب السّلعة عن المشتري‏.‏

والتّدليس أخصّ من التّزوير، لأنّه خاصّ بكتمان العيب في السّلعة المبيعة، أمّا التّزوير فهو أعمّ، لأنّه يكون بالقول والفعل وفي السّلعة المبيعة وغيرها‏.‏

خ - التّحريف‏:‏

8 - التّحريف‏:‏ تغيير الكلام عن مواضعه والعدول به عن حقيقته‏.‏

د - التّصحيف‏:‏

9 - والتّصحيف‏:‏ هو تغيير اللّفظ حتّى يتغيّر المعنى المراد‏.‏

وقد تقدّمت الألفاظ ذات الصّلة وما يتعلّق بها من أحكام في مصطلح ‏(‏تدليس‏)‏ ‏(‏وتحريف‏)‏‏.‏

الحكم التّكليفي

10 - الأصل في التّزوير أنّه محرّم شرعاً في الشّهادة لإبطال حقّ أو إثبات باطل‏.‏

والدّليل على حرمته قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِن الأوثَانِ واجْتَنِبُوا قَولَ الزّورِ‏}‏ ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر ‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول اللّه‏.‏ قال الإشراك باللّه وعقوق الوالدين، وجلس وكان متّكئاً، ثمّ قال‏:‏ ألا وقول الزّور‏.‏ فما يزال يكرّرها حتّى قلنا‏:‏ ليته سكت»‏.‏

11 - وقد استثني من حرمة التّزوير أمور‏:‏ منها الكذب في الحرب، وتطييب خاطر زوجته ليرضيها، والإصلاح بين النّاس‏.‏

واستدلّوا بحديث‏:‏ أسماء بنت يزيد مرفوعاً‏:‏ «لا يحلّ الكذب إلاّ في ثلاث‏:‏ يحدّث الرّجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين النّاس» ومنه‏:‏ الكذب لدفع ظالم على مال له أو لغيره أو عرض، وفي ستر معصية منه أو من غيره‏.‏ وقد نقل عن النّوويّ‏:‏ الظّاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثّلاثة، ولكنّ التّعريض أولى‏.‏

وقال ابن العربيّ‏:‏ الكذب في الحرب هو من المستثنى الجائز بالنّصّ‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الحرب خدعة»، وفيه‏:‏ الأمر باستعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن ذلك‏.‏ وفيه‏:‏ التّحريض على أخذ الحذر في الحرب، والنّدب إلى خداع الكفّار‏.‏ وقال النّوويّ‏:‏ اتّفقوا على جواز خداع الكفّار في الحرب كيفما أمكن، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان، فلا يجوز‏.‏ وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه‏.‏

وجاء في حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما‏:‏ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ مَنْ لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنّه قد آذى اللّه ورسوله ‏؟‏ قال محمّد بن مسلمة‏:‏ أتحبّ أن أقتله يا رسول اللّه ‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأتاه، فقال‏:‏ هذا - يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - قد عنّانا وسألنا الصّدقة‏.‏ قال‏:‏ وأيضاً واللّه لتمُلُنَّه قال‏:‏ فإنّا اتّبعناه فنكره أن ندعه حتّى ننظر إلى ما يصير أمره‏.‏ قال‏:‏ فلمْ يزل يكلّمه حتّى استمكن منه فقتله»‏.‏

فقوله‏:‏ عنّانا أي‏:‏ كلّفنا بالأوامر والنّواهي، وقوله‏:‏ سألنا الصّدقة أي‏:‏ طلبها منّا ليضعها مواضعها، وقوله‏:‏ نكره أن ندعه أي نكره فراقه‏.‏

فقوله له من قبيل التّعريض والتّمويه والتّزوير، حتّى يأمنه فيتمكّن من قتله‏.‏

وجاء في رواية‏:‏ «ائذن لي أن أقول‏.‏ قال‏:‏ قل» فيدخل فيه الكذب تصريحاً وتلويحاً‏.‏

وفي سيرة ابن هشام‏:‏ «أتى نُعَيمُ بن مسعود رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إنّي قد أسلمت، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعةٌ‏.‏ فخرج نعيم بن مسعود حتّى أتى بني قريظة، فقال لهم‏:‏ لا تقاتلوا مع القوم - الأحزاب - حتّى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقةً لكم على أن تقاتلوا معهم محمّداً، حتّى تناجزوه، فقالوا له‏:‏ لقد أشرت بالرّأي‏.‏ ثمّ خرج حتّى أتى قريشاً فقال لهم‏:‏ قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمّداً، وأنّه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقّاً أن أُبلِغكموه، نصحاً لكم‏.‏ تعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد، وقد أرسلوا إليه‏:‏ إنّا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان، رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثمّ نكون معك على من بقي منهم حتّى نستأصلهم ‏؟‏ فأرسل إليهم‏:‏ أن نعم‏.‏ فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً‏.‏ ثمّ خرج حتّى أتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وحذّرهم ما حذّرهم وأرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة‏:‏ فاغدوا للقتال حتّى نناجز محمّداً ونفرغ ممّا بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم‏:‏ ولسنا بالّذين نقاتل معكم محمّداً حتّى تعطونا رُهُناً من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقةً لنا، حتّى نناجز محمّداً، فإنّا نخشى إن ضرّستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرّجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه‏.‏ فلمّا رجعت إليهم الرّسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان‏:‏ واللّه إنّ الّذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ‏.‏ فأرسلوا إلى بني قريظة‏:‏ إنّا واللّه لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا‏.‏ فقالت بنو قريظة، حين انتهت الرّسل إليهم بهذا‏:‏ إنّ الّذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ ما يريد القوم إلاّ أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصةً انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرّجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان‏:‏ إنّا واللّه لا نقاتل معكم محمّداً حتّى تعطونا رُهُناً‏.‏ فأبوا عليهم، وخذل اللّه بينهم، وبعث اللّه عليهم الرّيح في ليال شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم»‏.‏

القضاء بشهادة الزّور

12 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد وزفر، وهو المفتى به عند الحنفيّة، إلى أنّ قضاء الحاكم بشهادة الزّور ينفذ ظاهراً لا باطناً، ولا يزيل الشّيء عن صفته الشّرعيّة سواء العقود من النّكاح وغيره والفسوخ، ويستوي في ذلك الأملاك المرسلة ‏(‏أي الّتي لم يبيّن سبب ملكها من إرث أو شراء‏)‏ وغير المرسلة‏.‏

واستدلّوا‏:‏ بخبر‏:‏ «إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئاً فلا يأخذ منه شيئاً، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار»‏.‏

وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القضاء بشهادة الزّور ينفذ ظاهراً وباطناً في الفسوخ والعقود، حيث كان المحلّ قابلاً، والقاضي غير عالم‏.‏‏"‏ لقول عليّ رضي الله عنه لامرأة أقام عليها رجل بيّنةً على أنّه تزوّجها، فأنكرت، فقضى له عليّ‏.‏ فقالت له‏:‏ لم يتزوّجني، فأمّا وقد قضيت عليّ فجدّد نكاحي، فقال‏:‏ لا أجدّد نكاحك، الشّاهدان زوّجاك ‏"‏‏.‏ ومحلّ تفصيل هذا في مصطلح‏:‏ ‏(‏قضاء‏)‏ ‏(‏وشهادة‏)‏‏.‏

التّزوير في الأيمان

13 - الأصل أنّ التّزوير في اليمين حرام، وهي اليمين الغموس‏:‏ وهي الّتي يكذب فيها الحالف عامداً عالماً عند الجمهور‏.‏ وعند المالكيّة الّتي يكذب فيها الحالف عمداً، أو يشكّ في المحلوف عليه، أو يظنّ منه ظنّاً غير قويّ‏.‏

وقد يكون تزوير اليمين جائزاً أو واجباً - على الخلاف بين الفقهاء - فيما إذا تعيّن تزوير اليمين عند الإكراه عليها أو الاضطرار إليها، لدفع الأذى عن نفسه أو عن مظلوم‏.‏

وقد تقدّم تفصيل أحكام اليمين الغموس في مصطلح‏:‏ ‏(‏أيمان‏)‏‏.‏

تضمين شهود الزّور

14 - يضمن شهود الزّور ما ترتّب على شهادتهم من ضمان، فإن كان المحكوم به مالاً ردّ إلى صاحبه، وإن كان إتلافاً فعلى الشّهود ضمانه، لأنّهم سبب إتلافه‏.‏

وذهب الشّافعيّة، والحنابلة إلى وجوب القصاص على شهود الزّور، إذا شهدوا على رجل بما يوجب قتله، كأن شهدوا عليه بقتل عمد عدوان، أو بردّة، أو بزنًى وهو محصن، فقتل بشهادتهما، ثمّ رجعا، وأقرّا بتعمّد قتله بتلك الشّهادة، لعلمهما أنّه يقتل بشهادتهما‏.‏

فيجب القصاص عليهما لتعمّد القتل بتزوير الشّهادة، لأنّ شهادتهما سبب القتل، ولا يجب القصاص بنفس التّزوير والكذب‏.‏

وتجب عليهما الدّية المغلّظة إذا آل الأمر إليها بدل القصاص‏.‏

وكذلك الحكم إذا شهدا زوراً بما يوجب القطع قصاصاً فقطع، أو في سرقة لزمهما القطع، وإذا سرى أثر القطع إلى النّفس فعليهما القصاص في النّفس‏.‏

كما يجب القصاص على القاضي إذا قضى زوراً بالقصاص، وكان يعلم بكذب الشّهود‏.‏

وذهب المالكيّة والحنفيّة‏:‏ إلى أنّ الواجب هو الدّية لا القصاص‏.‏

لأنّ القتل بشهادة الزّور قتل بالسّبب، والقتل تسبّباً لا يساوي القتل مباشرةً، ولذا قصر أثره فوجبت به الدّية لا القصاص‏.‏ ومحلّ وجوب القصاص أو الدّية إذا تبيّن كذب الشّهود، أو رجعوا عن شهادتهم بعد استيفاء القصاص‏.‏

أمّا إذا رجعوا قبله وبعد الحكم فينقض الحكم، ولا غرم على الشّهود، بل يعزّرون‏.‏

ويجب حدّ القذف على شهود الزّور إذا شهدوا بالزّنى، ويقام عليهم الحدّ سواء تبيّن كذبهم قبل الاستيفاء أو بعده، إلاّ أنّه يجب عليهم القصاص مع حدّ القذف إذا شهدوا بالزّنى على محصن، فرجم بسبب شهادتهم‏.‏ وللتّفصيل في أحكام القصاص والقذف ينظر مصطلح ‏(‏جناية، حدود، قصاص‏)‏ وكذلك ‏(‏شهادة‏)‏ ‏(‏وقضاء‏)‏‏.‏

التّزوير بالأفعال

15 - يقع التّزوير في البيوع بإخفاء عيوب السّلعة وتزيينها وتحسينها، لإظهارها بشكل مقبول ترغيباً فيها، كتصرية الحيوان ليظنّ المشتري كثرة اللّبن، أو صبغ المبيع بلون مرغوب فيه، وكالكذب في سعر السّلعة في بيوع الأمانات وهي‏:‏ المرابحة والتّولية والحطيطة‏.‏ ويقع التّزوير كذلك بمحاكاة خطّ القاضي أو تزوير توقيعه أو شهادة الشّهود في سجلّات القضاء بما يسلب الحقوق من أصحابها‏.‏

كما يقع التّزوير في النّكاح بأن يكتم أحد الزّوجين عيباً فيه عن الآخر‏.‏ وقد يقع التّزوير بتسويد الشّعر بقصد التّغرير والكذب‏.‏ وهذه الأنواع من التّزوير هي من التّزوير المحرّم، وهي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من غشّنا فليس منّا»‏.‏

وللتّفصيل ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏تدليس، تسويد، بيع، نكاح، شهادة، قضاء وعيب‏)‏‏.‏

التّزوير في النّقود والموازين والمكاييل

16 - التّزوير فيها يكون بالنّقص من مقاديرها، بغشّها أو تغيير أوزانها أو أحجامها، كأن تخلط دنانير الذّهب أو دراهم الفضّة بمعادن أخرى كالنّحاس والرّصاص، رغبةً في نقص مقدار الذّهب أو الفضّة الخالصين، أو بالنّقص من حجم الدّينار أو الدّرهم‏.‏

أو أن ينقص من وزن الصّنج الّتي يستعملها في الموازين، أو حجم المكيال، رغبةً في زيادة الرّبح وتقليل المبيع الموزون أو المكيل‏.‏

والتّزوير في النّقود والموازين والمكاييل محرّم داخل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إذا اكْتَالُوا على النّاسِ يَسْتَوفُونَ وَإذَا كَالُوهُمْ أو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‏}‏‏.‏

وداخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من غشّنا فليس منّا» كما أنّ فيه إفساداً للنّقود، وإضراراً بذوي الحقوق، وإغلاء الأسعار، والنّقص من الصّدقات، وانقطاع ما يجلب إلى البلاد من حوائج النّاس‏.‏ ولذلك كان من وظيفة المحتسب أن يتفقّد عيار المثاقيل والصّنج، وعليه أن يعيّر أوزانها ويختمها بختمه، حتّى يأمن تزويرها وتغيير مقاديرها‏.‏ كما تدخل في وظيفته مراقبة مقادير دنانير الذّهب ودراهم الفضّة وزناً وحجماً‏.‏

ولا يجوز للإمام ضرب الدّراهم المغشوشة، وحرمته في حقّ غير الإمام أشدّ، لأنّ الغشّ فيها يخفى على النّاس فيكون الغرر بها أكبر‏.‏ بخلاف الإمام، لأنّ ما يضربه من دنانير ودراهم يشهر ويعرف مقداره‏.‏

كما لا يجوز لغير الإمام ضرب الدّنانير والدّراهم الخالصة غير المغشوشة، لأنّه لا يؤمن فيها الغشّ والفساد‏.‏

صور التّزوير في المستندات وطرق التّحرّز منها

17 - جاء في تبصرة الحكّام‏:‏ ومثله في معين الحكّام‏:‏ ينبغي للموثّق أن يتأمّل الأسماء الّتي تنقلب بإصلاح يسير، فيتحفّظ في تغييرها، نحو مظفر فإنّه ينقلب إلى مظهر، ونحو بكر فإنّه ينقلب إلى بكير، ونحو عائشة فإنّه يصلح عاتكة‏.‏ وقد يكون آخرَ السّطر بياضاً يمكن أن يزاد فيه شيء آخر‏.‏ وكذلك ينبغي أن يحذر من أن يتمّم عليه زيادة حرف من الكتاب مثل أن يكتب في الوثيقة‏:‏ أقرّ أنّ له عنده ألف درهم، فإن لم يذكر عقب العدد بيان نصفه بأن يقول‏:‏ ‏(‏الّذي نصفه خمسمائة مثلاً‏)‏ أمكن زيادة ألف فتصير ‏(‏ألفا درهم‏)‏‏.‏ وفي التّنبيه لابن المناصف‏:‏ ولا ينبغي أن ينصب لكتابة الوثائق إلاّ العلماء العدول، كما قال مالك رضي الله تعالى عنه‏:‏ لا يكتب الكتب بين النّاس إلاّ عارف بها، عدل في نفسه، مأمون على ما يكتبه لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْيَكْتُبْ بينَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ‏}‏ وأمّا من لا يحسن وجوه الكتابة، ولا يقف على فقه الوثيقة، فلا ينبغي أن يمكّن من الانتصاب لذلك، لئلاّ يفسد على النّاس كثيراً من معاملاتهم‏.‏ وكذلك إن كان عالماً بوجوه الكتابة إلاّ أنّه متّهم في دينه، فلا ينبغي تمكينه من ذلك وإن كان لا يضع اسمه بشهادة فيما يكتب، لأنّ مثل هذا يعلّم النّاس وجوه الشّرّ والفساد، ويلهمهم تحريف المسائل لتوجّه الإشهاد، فكثيراً ما يأتي النّاس اليوم يستفتون في نوازل من المعاملات الرّبويّة والمشاركة الفاسدة والأنكحة المفسوخة ونحو ذلك ممّا لا يجوز، فإذا صرفهم عن ذلك أهل الدّيانة أتوا إلى مثل هؤلاء، فحرّفوا ألفاظها، وتحيّلوا لها بالعبارة الّتي ظاهرها الجواز، وهي مشتملة على صريح الفساد، فضلّوا وأضلّوا‏.‏ وتمالأ كثير من النّاس على التّهاون بحدود الإسلام، والتّلاعب في طريق الحرام، ‏{‏وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏}‏‏.‏

وجاء في ‏"‏ تبصرة الحكّام ‏"‏ أيضاً، وفي ‏"‏ العالي الرّتبة في أحكام الحسبة ‏"‏ لأحمد بن موسى بن النّحويّ الدّمشقيّ الشّافعيّ فيما يتعلّق بالموثّق ممّا لا يخالف قواعد مذهب مالك رضي الله تعالى عنه، قال‏:‏ فإذا فرغ الكاتب من كتابته استوعبه ‏(‏أي كتابته‏)‏ وقرأه وتميّز ألفاظه، وينبغي أن يميّز في خطّه بين السّبعة والتّسعة وإن كان فيه مائة درهم كتب بعدها ‏(‏واحدةً‏)‏ وينبغي أن يذكر نصفها، فإن كانت ‏(‏أي الدّراهم‏)‏ ألفاً كتب واحداً وذكر نصفه رفعاً للّبس، وإن كانت خمسة آلاف زاد فيها لا ما تصيّرها ‏(‏آلاف‏)‏ لئلاّ تصلّح الخمسة فتصير خمسين ألفاً ويحترز بذكر التّنصيف ممّا يمكن الزّيادة فيه كالخمسة عشر تصير خمسةً وعشرين، والسّبعين تسعين، فإن لم يذكر الكاتب النّصف من المبلغ فينبغي للشّهود أن يذكروا المبلغ في شهادتهم لئلاّ يدخل عليهم الشّكّ لو طرأ في الكتاب تغيير وتبديل، وإن وقع في الكتاب إصلاح وإلحاق نبّه عليه وعلى محلّه في الكتاب، وينبغي له أن يكمل أسطر المكتوب جميعها لئلاّ يلحق في آخر السّطر ما يفسد بعض أحكام المكتوب أو يفسده كلّه، فلو كان آخر سطر مثلاً‏.‏ ‏(‏وجعل النّظر في الوقف المذكور‏)‏ وفي أوّل السّطر الّذي يليه ‏(‏لزيد‏)‏ وكان في آخر السّطر فرجة أمكن أن يلحق فيها ‏(‏لنفسه‏)‏ ثمّ لزيد، فيبطل الوقف وما أشبه ذلك، فإن اتّفق أنّه بقي في آخر السّطر فرجة لا تسع الكلمة الّتي يريد كتابتها لطولها وكثرة حروفها، فإنّه يسدّ تلك الفرجة بتكراره تلك الكلمة الّتي وقف عليها أو كتب فيها صحّ، أو صادّاً ممدودةً، أو دائرةً مفتوحةً، ونحو ذلك ممّا يشغل به تلك الفرجة، ولا يمكن إصلاحها بما يخالف المكتوب‏.‏ وإن ترك فرجةً في السّطر الأخير كتب فيها حسبي اللّه أو الحمد للّه، مستحضراً لذكر اللّه ناوياً له، أو يأمر أوّل شاهد يضع خطّه في المكتوب أن يكتب في تلك الفرجة‏.‏ وإن كتب في ورقة ذات أوصال كتب علامته على كلّ وصل، وكتب عدد الأوصال في آخر المكتوب، وبعضهم يكتب عدد أسطر المكتوب، وإن كان للمكتوب نسخ ذكرها وذكر عدّتها، وأنّها متّفقة، وهذا نبّه عليه ابن سهل وابن الهنديّ وغيرهما‏.‏

ومثله في معين الحكّام أيضاً وقال‏:‏ إنّ ذلك ممّا لا يخالف قواعد أبي حنيفة رضي الله عنه‏.‏ وجاء في مجلّة الأحكام العدليّة ‏(‏المادّة 1814‏)‏ ونصّها‏:‏

يضع القاضي في المحكمة دفتراً للسّجلّات، ويقيّد ويحرّر في ذلك الدّفتر الإعلامات والسّندات الّتي يعطيها بصورة منتظمة سالمة عن الحيلة والفساد، ويعتني بالدّقّة بحفظ ذلك الدّفتر، وإذا عزل سلّم السّجلّات المذكورة إلى خلفه، إمّا بنفسه أو بواسطة أمينه‏.‏

إثبات التّزوير

18 - يثبت التّزوير بإقرار المزوّر على نفسه، أو ظهور الكذب يقيناً، كأن يشهد بقتل رجل وهو حيّ، أو شهد على رجل أنّه فعل شيئاً في وقت، وقد مات قبل ذلك الوقت، أو لم يولد إلاّ بعده، وأشباه ذلك‏.‏

19 - أمّا التّزوير في الوثائق، فذهب اللّخميّ من المالكيّة، وأبو اللّيث من الحنفيّة‏:‏ إلى أنّه إذا ادّعى رجل على رجل بمال فجحده، فأخرج المدّعي صحيفةً مكتوبةً بخطّ المدّعى عليه، فأنكر المدّعى عليه ذلك، وليس بينهما بيّنة، فطلب المدّعي أن يجبر على أن يكتب بحضرة العدول، ويقابل ما كتبه بما أظهره المدّعي، فإنّه يجبر على الكتابة، وعلى أن يطوّل فيما يكتب تطويلاً لا يمكن معه أن يستعمل خطّاً غير خطّه، فإن ظهر بين الخطّين تشابه ظاهر دالّ على أنّهما خطّ كاتب واحد، فإنّه حجّة يقضي بها‏.‏

وقال أبو اللّيث‏:‏ وبه قال أئمّة بخارى‏.‏ وقال عبد الحميد الصّائغ من المالكيّة‏:‏ إنّه لا يجبر عليه، كما لا يجبر على إحضار بيّنة تشهد عليه‏.‏

وفرّق اللّخميّ بين إلزامه بالكتابة وعدم إلزامه بإحضار الشّهادة عليه بأنّ المدّعى عليه يقطع بتكذيب البيّنة الّتي تشهد عليه، فلا ينبغي أن يسعى في أمر يقطع ببطلانه، أمّا خطّه فإنّه صادر منه بإقراره، والعدول يقابلون بما يكتبه الآن بما أحضره المدّعي، ويشهدون بموافقته أو مخالفته‏.‏ كما نقل صاحب المحيط عن محمّد بن الحسن أنّه نصّ أنّ ذلك لا يكون حجّةً، لأنّها لا تكون أعلى حالاً ممّا لو أقرّ فقال‏:‏ هذا خطّي، وأنا كتبته، غير أنّه ليس له عليّ هذا المال، كان القول قوله ولا شيء عليه‏.‏

عقوبة التّزوير

20 - عقوبة التّزوير‏:‏ التّعزير بما يراه الحاكم‏.‏ كأيّ جريمة ليس لها عقوبة مقدّرة، إن علم أنّه تعمّد التّزوير، فيعزّر بما يراه الحاكم من تشهير أو ضرب أو حبس، أو كشف رأسه وإهانته، إلى غير ذلك‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏شهادة، تعزير، تشهير‏)‏‏.‏

تزيين

انظر‏:‏ تزيّن‏.‏